ليست الزيادة المقترحة على شركات الـHolding والـOffshore في مشروع موازنة 2027 سوى واحدة من الأمثلة التي تفتح بابًا أوسع للنقاش حول السياسة الماليّة التي يعتمدها المشروع: من أين تريد الدولة زيادة إيراداتها، وما الذي يقابل هذه الزيادة؟
فالمادة 23 من مشروع موازنة 2027 تتناول تعديل المادة 4 من المرسوم الاشتراعي رقم 46 تاريخ 24/06/1983 وتعديلاته، المتعلق بنظام الشركات المحصورة نشاطها خارج لبنان، أي شركات الـOffshore.
وبحسب المشروع، تُعفى الشركة من ضريبة الدخل على الأرباح وتخضع بدلًا من ذلك لضريبة سنوية مقطوعة قدرها 200 مليون ليرة، أو ما يعادلها بالعملة الأجنبية وفق الحالات التي يحددها النص.
الأمر نفسه يطال الشركات القابضة، أي الـHolding، إذ تحدد المادة الحادية والعشرون الضريبة السنوية المقطوعة عليها بـ200 مليون ليرة، مع إمكانية احتسابها بالعملة الأجنبية في الحالات التي ينص عليها المشروع.
الرقم يصبح أكثر دلالة عند مقارنته بما كان قائمًا سابقًا. فالخبير المحاسبي ربيع داغر يشرح عبر "النشرة" أن الضريبة السنوية المقطوعة لشركات الـOffshore والـHolding كانت في الموازنة السابقة 50 مليون ليرة، وقبل الأزمة كانت بحدود 600 دولار، أي قرابة 50 مليون ليرة وفق سعر الصرف الحالي، وارتفعت فجأة من 50 إلى 200 مليون ليرة، فكيف ذلك"؟.
بعملية حسابية بسيطة، يعني بحسب داغر، أن الشركة ستدفع زيادة قدرها 150 مليون ليرة، أو 300% فوق المبلغ السابق، لتصبح الضريبة الجديدة أربعة أضعاف القديمة.
ويضيف: "إذا أخذنا عشر شركات كمثال نظري، تنتقل الحصيلة من 500 مليون إلى ملياري ليرة سنويًا. ومع 100 شركة تصبح من 5 مليارات إلى 20 مليارًا، أي زيادة نظرية قدرها 15 مليار ليرة".
لكن هذه الأمثلة لا تمثل تقديرًا للإيرادات الفعلية، لأنّ ذلك يتطلب معرفة عدد الشركات الخاضعة فعليًا للضريبة ووضع كل منها. وهي تظهر فقط أثر مضاعفة الرسم أربع مرات.
القضية أكبر من الـHolding والـOffshore
لكن قراءة مشروع موازنة 2027 تظهر أن السؤال لا يقتصر على هذه الشركات.
فالدولة تبحث عن إيرادات أعلى، وبالتالي يصبح المثال المتعلق بالـHolding والـOffshore جزءًا من صورة مالية أكبر: رسوم يجري تعديلها، إعفاءات يعاد النظر فيها، وضرائب تتغير قيمتها، في محاولة لزيادة قدرة الخزينة على تمويل نفقاتها.
وهنا يجب التمييز بين أمرين. فبعد الانهيار النقدي، فقدت رسوم وضرائب مقطوعة كثيرة جزءًا كبيرًا من قيمتها الفعلية. ومن الطبيعي أن تعيد الدولة النظر ماليًا في رسوم بقيت محددة بالليرة على قيمة تعود إلى مرحلة مختلفة كليًا.
لكن السؤال الذي يطرحه الانتقال من 50 إلى 200 مليون ليرة ليس فقط ما إذا كان ينبغي تعديل الضريبة، بل كيف حُددت القيمة الجديدة، وعلى أي أساس جرى اختيارها؟!.
هل الهدف استعادة القيمة التي فقدتها الضريبة بفعل انهيار العملة؟ أم زيادة الإيرادات؟ وما المعيار الذي اعتمد للوصول تحديدًا إلى المبلغ المذكور؟
ماذا تحصل الشركة في المقابل؟
وثمة جانب اقتصادي آخر لا يقل أهمية. فالـHolding والـOffshore ليستا مجرد خانتين ضريبيتين. فالشركات تختار المكان الذي تؤسس فيه أعمالها وفق مجموعة عوامل تشمل الضرائب، وسهولة ممارسة الأعمال، والاستقرار القانوني والمالي، والخدمات المصرفية والإدارية.
لذلك لا يمكن النظر إلى رفع الضريبة وحده بمعزل عن البيئة التي تعمل فيها هذه الشركات.
قد لا تكون 200 مليون ليرة سنويًا، بمفردها، كافية لتغيير قرار شركة كبيرة، لكن السؤال الاقتصادي الأوسع هو تراكم الأكلاف والرسوم والموجبات على المؤسسات، وما إذا كانت تقابلها بيئة أعمال أكثر كفاءة.
الإيرادات ترتفع... فماذا عن بنية الموازنة؟
وهنا يصل النقاش إلى جوهر مشروع الموازنة. فليس المطلوب من أي دولة أن تبقي رسومها مجمدة إلى الأبد، خصوصًا بعد انهيار نقدي أفقد كثيرًا من التعرفات القديمة قيمتها. كما أن الدولة تحتاج إلى إيرادات لتمويل الرواتب والاستشفاء والتعليم والبنية التحتية وسائر الخدمات العامة.
لكن جودة السياسة المالية لا تقاس فقط بقدرة الدولة على زيادة ما تحصله. فالسؤال الآخر هو كيف تنفق ما تجمعه، وهل تترافق زيادة الإيرادات مع إصلاح الإدارة وضبط الهدر وتحسين الجباية وتوسيع الاقتصاد وزيادة الاستثمار؟!.
وهنا تصبح قفزة الضريبة من 50 إلى 200 مليون ليرة نموذجًا لسؤال أكبر بكثير من هذه الشركات نفسها.
إذا كانت الدولة تطلب من المواطن والمؤسسة والشركة دفع المزيد، فمن الطبيعي أن يصبح السؤال المقابل: ما الإصلاح أو الخدمة أو الاستثمار الذي سيحصل عليه الاقتصاد مقابل الإيرادات الإضافية؟
فالموازنة ليست فقط جدولًا لما ستجمعه الخزينة، بل أيضًا مرآة لما تنوي فعله بما تجمعه. ومن هنا، لا يكفي السؤال: كم سترتفع الإيرادات في 2027؟ السؤال الأهم هو: هل ستنعكس هذه الزيادة في طريقة إدارة الدولة وإنفاقها وفي الخدمات التي يحصل عليها المواطن اللبناني؟.






















































